الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

178

شرح ديوان ابن الفارض

قال تعالى للنبي صلى اللّه عليه وسلم : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) [ الإسراء : الآية 81 ] . اه . فنافس ببذل النّفس فيها أخا الهوى فإن قبلتها منك يا حبّذا البذل فمن لم يجد في حبّ نعم بنفسه ولو جاد بالدّنيا إليه انتهى البخل [ الاعراب والمعنى ] قوله « فنافس » فعل أمر من المنافسة ، وهي المغالبة في طلب النفيس ، أي أغلب غيرك يا أخا الهوى من بقية المحبين ببذل نفسك النفيسة في محبتها . ولك أن تقول البذل في قوله « ببذل النفس » بمعنى الابتذال أي ابذل نفسك وإن كانت نفيسة واطرحها في أرض الهوان . و « الهاء » في فيها للحبيبة ، والمراد في محبتها . و « أخا الهوى » منادى مضاف أي يا أخا الهوى . والأخ هنا بمعنى الصاحب . قوله « يا حبذا البذل » فاء الجزاء محذوفة ، أي فيا حبذا . و « حب » فعل ماض فاعله ذا . و « البذل » مبتدأ خبره ما قبله ، والجملة جزاء الشرط . وقوله « فإن قبلتها منك » يوجب أن يكون البذل الثاني بمعنى الإعطاء ، والأول أيضا كذلك على الأظهر . قوله « فمن لم يجد » من هنا شرطية . و « يجد » بضم الجيم من جاد يجود أي كرم وأعطى . و « في حب نعم وبنفسه » متعلقان به . وجملة « إليه انتهى البخل » جواب الشرط على حذف فاء الجزاء . ومعنى « إليه انتهى البخل » أي سلسلة البخل إليه تنتهي فيكون معدن البخل ، ويكون جميع ما في الوجود من البخل في أي زمان كان متفرعا على ما عنده من البخل ، وذلك لأنهم قالوا من عرف ما طلب هان عليه ما بذل ، وأيضا قالوا : تهون علينا في المعالي نفوسنا * ومن طلب الحسناء لم يغله المهر وحيث كانت نعم في الجمال آية ، وإليها ينتهي في الحسن كل غاية ، كان ما يبذل فيها من المال رخيصا ليس بغال ، وإنما النفوس ثمن حبها العزيز فما قدر مقدار الذهب الإبريز . الشرط بذل النفس أوّل حبها * لا تطمعن ببقائها الأشباح والشيخ يقول : الروح لنا فهات من عندك شيء ومثل ذلك في كلامهم كثير لا يحصى وعزيز لا يستقصى . وجملة قوله « لو جاد بالدنيا » معترضة بين الشرط والجزاء . و « لو » وصلية فلا تحتاج إلى الجزاء . وفي البيتين شبه الاشتقاق بين نافس والنفس ، والجناس التام في بذل والبذل إن كان الأول بمعنى الابتذال ، والطباق بين الجود والبخل .